حسن حسني عبد الوهاب

79

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

" بعثت إليك كتبي وكتب الأئمة آبائي الطاهرين ، وقد ميّزتها ، فاقررها عندك مصونة من كل شيء فقد وصل الماء إلى بعضها فغيّر فيها ، وما من الذخائر شيء هو أنفس عندي منها ، فأمر محمدا كاتبك ينسخ لك منها ثلاثة كتب ، ففيها من العلوم والسير ما يسرّك اللّه به " " 1 " . وعلى هذا الاعتناء بالثقافة ربى المنصور ابنه وخليفته المعز لدين اللّه فكانت عناية الابن لا تقلّ عن اهتمام والده بالعلم والكتب والتأليف ، يروي لنا القاضي النعمان أنه بلغ من تعلق المعز بمكتبة المنصورية أن كان يعرف مواضيع الكتب فيها ، وما يحويه كل جزء منها من الفنون ، وحكى أيضا : " إن المعز أمر يوما خازن كتبه أن يناوله كتابا منها ، فلما أبطأ الخازن في إحضاره ، قام المعز وبحث بنفسه عن الكتاب المطلوب ، فلما وجده قرأه وقرأ غيره من الكتب ، واستهوته المطالعة ، فصرف معظم ليله في القراءة ، وهو واقف على قدميه " ولا عجب في ذلك فإنه كان يقول : " إني لأجد من اللّذة والراحة والمسرّة ، في النظر في كتب الحكمة ما لو وجده أهل الدنيا لاطّرحوها لها ، ولولا ما أوجب اللّه سبحانه عليّ من أمور الدنيا لأهلها وإقامة ظاهرها ومصالحهم فيها لرفضتها بالتلذّذ بالحكمة والنظر في كتبها ، واللّه ما تلذذت شيئا تلذذي بالعلم والحكمة " " 2 " . وروى المقريزي " 3 " قال : " حمل أبو جعفر مسلم بن عبيد اللّه إلى المعز لدين اللّه المصحف الكبير الذي يذكر أنه كان ليحيى بن خالد بن برمك ، وكان اشتراه أبو جعفر مسلم بأربعمائة دينار ، فلما رآه المعز قال لمسلم : - أراك معجبا به ، وهو يستحق الإعجاب ، لكن نفاخرك نحن أيضا ، فدعا بمصحف في نصفين ما رئي أحسن

--> ( 1 ) سيرة الأستاذ جوذر ط . - مصر - ص 52 . ( 2 ) كتاب المجالس والمسايرات للقاضي النعمان - مخطوط ج 1 ص 91 [ ص 94 ] . ( 3 ) كتاب اتعاظ الحنفاء ، طبع القدس سنة 1908 ص 99 [ 1 : 148 - 149 ] .